فخر الدين الرازي

178

المطالب العالية من العلم الإلهي

ماهيات متساوية ، في كونها مقادير ، وأما كون ذوات الأجسام قابلة لهما . فهذا أيضا معقول مشترك فيها بين الكل ، إلا أنه ثبت في علوم العقل أن الأشياء المختلفة لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم ، فيمتنع كون ذات الأجسام مختلفة بحقائقها المخصوصة ، ومتباينة بماهياتها المعينة ، ومع ذلك فإنها تكون مشتركة في هذه القابلية ، فثبت بهذه [ الدلالة ] « 1 » أنه لا يلزم تساوي في الأجسام في القبول الذي هو الحجمية والمقدار ، وفي كونها بأسرها قابلة له ، وكون ذواتها المعينة وحقائقها المخصوصة متساوية . إذا عرفت هذا فنقول : المعلوم عندنا من الجسم أنه شيء يلزمه قبول المقادير الثلاثة ، فأما أن ذلك بحسب [ ماهيته المخصوصة ] « 2 » ما هو ؟ فغير معلوم عندنا ، وإن لم يكن معلوما عندنا لم نقدر على أن نحكم بمقتضى الفطرة الأصلية بكونها متماثلة ومختلفة . فيثبت بهذا البيان : ان إثبات كون الجسم متماثل في تمام حقائقه المخصوصة ، أمر في غاية الصعوبة . والذي حصلناه في هذا الباب : أن نقول : لا شك أن الأجسام متساوية في طبيعة الحجمية والمقدار ، وهذا القدر أمر معلوم « 3 » بالبديهة ، ثم نقول : هذه الأجسام التي علمنا كونها متساوية في طبيعة الحجمية نعلم أيضا من حالها كون كل واحد منها مغاير للآخر ، ومخالفا له في تعينه الشخصي ، وهذا أيضا معلوم . ثم نقول : هذه الأشياء المتساوية في الحجمية ، المتباينة في التعين والتشخص ، إما أن تكون مختلفة بالماهية ، [ أو لا تكون . فإن لم تكن مختلفة بالماهية ] « 4 » فحينئذ يصح قولنا : إن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها وحقائقها . وذلك هو المطلوب . وأما إن قلنا : إنها مختلفة بالماهية ، فنقول : فعلى هذا التقدير حصل الاستواء . بينهما في الحجمية ، والاختلاف في الحقيقة ، وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فوجب أن تكون بحجميتها وبحيزها مغايرة لتلك الحقائق المخصوصة التي لأجلها حصل الاختلاف . فنقول : فعلى هذا التقدير ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام ، لا مزيد عليها ، لأنه إما أن يقال :

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) مغاير ( س ) . ( 4 ) من ( س ) .